الأربعاء، 30 ديسمبر 2015

وهم الحجاب 1

ــــــــــــــــ
إن الحجاب من أكثر الظواهر إثارة للجدل، بسبب رمزياته و دلالاته، و إذا كنا قد حاولنا عدم الخوض في هذا الجدل لإيماننا العميق بأنه يدخل في إطار العلاقة الشخصية بين العبد و ربه، إلا أن الطريقة التي يتم توظيفه بها سواء من طرف معارضيه أو مؤيديه دفعتنا لتخصيص هذا المقال لإظهار بعض المغالطات التي يلجأ إليها مؤيدو الحجاب و مشرعوه .
يعتمد مؤيدو الحجاب على بعض الآيات الواردة في القرآن الكريم، غير أن هذه الآيات نفسها تنفي وجوبه بشكل يكاد يكون قطعيا ، و ذلك ما سنستعرضه فيما يلي :
لعل أول ما يلفت الانتباه أن كلمة الحجاب لم ترد إلا في الآية 53 من سورة الأحزاب حيث جاء فيها :
"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا"
- و حاصل ما ذكره الحافظ ابن كثير في سبب نزول الآية يرجع إلى سببين،
الأول: هو ما جاء عن عمر ( في صحيح البخاري - حديث رقم 394 - ص 157 ) ،
) : وافقت ربي -عز وجل- في ثلاث، وذكر منها أنه قال: إن نساءك يدخل عليهن البر و الفاجر، فلو حجبتهن، فأنزل الله آية الحجاب، فيكون ذلك بسبب قول عمر -رضي الله عنه- .
والسبب الآخر هو الذي رواه البخاري عن أنس -رضي الله عنه- قال: لما تزوج النبي (ص) زينب بنت جحش دعا القوم فطعموا، فكان ما كان من حديثهم و تطويلهم المكث في بيت رسول الله (ص)، و ما حصل بسبب ذلك من الحرج له -عليه الصلاة و السلام-، حتى خرجوا، فيقول أنس: فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني و بينه، فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا...}، هذه روايات صحيحة، و هي صريحة في سبب النزول
و لعل أهم ما نستنتجه هو أن حكم الحجاب هنا خاص بزوجات الرسول (ص) تمييزاً لهن عن بقية النساء، فهذه الآية إذن مقيدة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ،
و هذه الخصوصية يؤكدها حديث وارد في صحيح البخاري يروي فيه أنس قصة زواج الرسول (ص) بصفية "... فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين، أو مما ملكت يمينه، فقالوا : إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين، و إن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه.. و مد الحجاب بينها و بين الناس". و هو الأمر الذي لا يدع مجالاً للشك في أن تشريع الحجاب في هذه الآية مرتبط بزوجات النبي دون غيرهن. (صحيح البخاري 1/403 و 404 )
و قد يرد البعض على كلامنا هذا، بالقول بأن التخصيص سيُلغى بما ورد في آية أخرى من السورة نفسها، و نقصد هنا الآية 59 و التي جاء فيها
" أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا "
و هو قول على صحته الظاهرية ينطوي على مغالطات عديدة يفضحها سبب نزول الآية، حيث ورد في صحيح البخاري عن عائشة " أن أزواج النبي - صلى الله عليه و سلم - كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع ( والمناصع هى أماكن معروفه من نواحى البقيع )، فكان عمر يقول للنبي صلى الله عليه وسلم : احجب نساءك، فلم يكن رسول الله - صلى الله عليه و سلم - يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، ليلة من الليالي عشاء، و كانت امرأة طويلة، فناداها عمر: ألا قد عرفناك يا سودة، حرصا على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله آية الحجاب".
و لابد لنا أن نتوقف عند رفض الرسول (ص) أمر زوجاته بارتداء الحجاب، و هو الأمر الذي لا يمكن أبداً أن يكون إعتباطياً، بل إنه جاء في اعتقادنا الشخصي
لسببين :
- أولهما خوفه من أن يتحول هذا الحكم المخصوص بظرفية معينة و هى خروج النساء لقضاء حاجتهن إلى حكم عام ينسحب على النساء في جميع الأحوال
- ثانيهما هو أن الحجاب كان منتشراً من قبل في شبه الجزيرة العربية و مما لاشك فيه أن الرسول (ص) كان يحاول التأسيس لقطيعة مع المجتمع ما قبل إسلامي و هذا ما يتشدق به شيوخ الفضائيات و الدعاة الجدد و يعملون في نفس الوقت على ترسيخ نقيضه، و رغبة الرسول (ص) هذه ستنعكس على الآية القرآنية التي نلاحظ أنها لم تأتي بصيغة تقريرية مطلقة، بل كانت أقرب إلى الترغيب منها إلى الأمر، و من ناحية أخرى تجنبت الإشارة إلى الحجاب بشكل صريح، و كل ما قررته هو إدلاء اللباس للحفظ من الأذى، تاركة تحديد الشكل و الطريقة لاجتهادات المفسرين.
غير أن هؤلاء المفسرين من مؤيدي الحجاب إذا كانوا قد بنوا مجمل تأويلاتهم على موروثات ما قبل إسلامية، و على تفسير خاطئ لما ورد في الآية 31 من سورة النور و التي جاء فيها
" قُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ "
- سبب نزول هذه الآية كما جاء بتفسير ابن كثير ما نصه : " ما ذكره مقاتل بن حيان قال : بلغنا - و الله أعلم - أن جابر بن عبد الله الأنصاري حدث : أن " أسماء بنت مرشدة " كانت في محل لها في بني حارثة ، فجعل النساء يدخلن عليها غير متأزرات فيبدو ما في أرجلهن من الخلاخل ، و تبدو صدورهن وذوائبهن ، فقالت أسماء : ما أقبح هذا . فأنزل الله الآية"
و إن كانوا سيقولون أن هذه الآية مطلقة على كافة النساء، فإننا سنقول أن الأمر عكس ذلك تماماً لأن اللباس السائد بشبه الجزيرة العربية كان يترك جيب القميص مفتوحاً، و من خلاله كان يظهر ثدي المرأة، و الأمر في هذه الآية هو لتغطية فتحة الصدر لا للشعر، فأي علاقة يمكن أن نقيمها بينه و بين الحجاب؟؟
و هو ما يجعلنا نستنتج أن هذه الآية أيضا مقيدة أيضا بخصوص السبب
لا بعموم اللفظ ..
إضافة إلى هذا فإنه ثمة رواية في صحيح البخاري تضع الحجاب محط تساؤل كبير، حيث جاء في كتاب " بدء الخلق " أن سعد بن أبي وقاص قال " استأذن عمر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - و عنده نساء من قريش يكلمنه و يستكثرنه، عالية أصواتهن، فلما استأذن عمر قمن يبتدرن الحجاب، فأذن له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - و هو يضحك، فقال عمر: أضحك الله سنك رسول الله، قال: ( عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب ). قال عمر: فأنت يا رسول الله كنت أحق أن يهبن، ثم قال: أي عدوات أنفسهن، أتهبنني ولا تهبن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلن: نعم، أنت أفظ و أغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم" ( صحيح البخارى - حديث رقم 3120 )
في اعتقادنا الشخصي يؤكد هذا الحديث و بشكل قطعي أن الحجاب ليس تشريعا دينيا بقدر ما هو تشريع فقهي، بني على موروثات ما قبل إسلامية، و على تفسيرات تراثية للقرآن الكريم
ختاماً فإن الأمر في الحقيقة يرتبط بأزمة حقيقية يشهدها الفكر الإسلامي المعاصر تخص علاقته بالماضي، و الخروج من هالة التقديس التي أٌضفيت على إجتهادات كانت وليدة ظرفية زمنية معينة، لا يمكن أبدًا أن تكون بريئة من الناحية الأيديولوجية، إنها أزمة التأسيس لفكر جديد لا يتنافى مع العقل، و لا مع كرامة الإنسان.
إن تحرير كاهل المرأة من وهم فرضية الحجاب هو تحرير للفقه من أسر التقليد و التقديس، و تحرير للمجتمع من نظرته الدونية إلى نفسه .
*المقال مستمد من مصادر مختلفة للتفسير .
بقلم : محمد صوفي - عضو فريق تحرير "مجلة علمانية" .
(ملاحظة المقال يعبر عن الكاتب محمد صوفي لا عن المدونة)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق